2 ربيع الثاني 1448

الموافق

الثلاثاء 15-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة بين بريطانيا و"إســـــرائيل"... التطهير العرقي!
بين بريطانيا و"إســـــرائيل"... التطهير العرقي!
2026-09-15
بين بريطانيا و"إســـــرائيل"... التطهير العرقي!

 

خرج رئيس حكومة بريطانيا آندي بيرنهام بتصريح صريح ولافت، قبل أيام، عن "سياسة بلاده" تجاه إسرائيل واحتلالها الأراضي الفلسطينية وانتهاكاتها فيها: "نادينا سنوات بحلّ الدولتين في الشرق الأوسط، ولكن علينا أن ندرك أنّ تلك الكلمات لا معنى لها ما لم ندعمها بالأفعال. فترة طويلة كنّا متردّدين في اتخاذ أيّ إجراء خوفاً من أن نُتّهم بأنّنا معادون لإسرائيل". في هذا الكلام اعتراف واضح، بل إدانة واضحة، لسياسة بريطانيا العظمى التقليدية وعقدة إسرائيل والخوف منها، ومن إمكانية إقدامها على إدانة دولة كُبرى إذا انتقدت تصرّفها. الكلام مهمّ، على الرغم من أنّه تأخّر كثيراً، وبعد أن باتت إسرائيل قاب قوسين، فعلياً وعملياً، من دفن فكرة الدولة الفلسطينية بـ"الإبادة الجماعية" التي ترتكبها ضدّ الفلسطينيين في غزّة، والإصرار على سياسة التوسّع والاحتلال بضمّها مع الضفّة الغربية وفرض سيادة الدولة الإسرائيلية ذات الهُويّة القانونية اليهودية على كامل أرض فلسطين، وتهجير أهلها إلى الخارج والتمدّد إلى دول أخرى، التزاماً بوعود "إلهية"، على حدّ قول وإيمان مسؤولين إسرائيليين يستبيحون كلّ شيء، ولا رادع يوقفهم بسبب السياسات الثابتة التي اعتمدتها دول أساسية راعية مثل بريطانيا، وعلى حد اعتراف رئيس حكومتها اليوم الذي فرضته الوقائع والحقائق.

الغائب الأبرز عن كلّ ما يجري هو الدور العربي، وكأنّ تهجير الفلسطينيين واستباحة القدس وضمّ الضفّة والجولان أمر لا يعنيهم

شهدنا في بريطانيا بعض أكبر المظاهرات في العالم، ولا تزال التحرّكات، علم فلسطين وكوفيتها وصوتها وشعاراتها مرفوعة في كلّ مكان، ومئات آلاف يعبّرون في الشوارع وعلى المسارح وفي الملاعب الرياضية والمناسبات الفنّية والثقافية وغيرها عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، ومع حقّه في إقامة دولته في أرضه، ورفضهم الإبادة والقتل والتهجير واستباحة القرارات الدولية ودور المنظّمات الإنسانية وقتل الأطفال والصحافيين لإخفاء الحقيقة وتدمير المساجد والكنائس والجامعات والمدارس.
اسم فلسطين بات قضيةً، بل القضية. والوضع على الأرض لم يعد يُطاق في أيّ مكان. خرج رئيس الحكومة ليقول كلامه المذكور ويضيف: "نعلن خطواتٍ مدروسةً موجّهةً بدقّة. لا نستهدف الشعب الإسرائيلي، بل السياسات غير المقبولة للحكومة الإسرائيلية. معاناة الشعب الفلسطيني تشكّل وصمة عار على ضمير العالم. حجم الدمار يصعب استيعابه. 70 ألف شخص لقوا حتفهم. ما لا يقلّ عن 20 ألف طفل. سكّان غزّة محاصرون في ثلث القطاع فقط". أضاف بيرنهام: "أعلم أنّ الناس في كلّ أنحاء المملكة يشعرون بألم وحسرة شديدين حيال هذه القضية، وأشاركهم هذا الشعور تماماً. قبل أن أصبح رئيساً للحكومة قلت إنّ استجابة بلدنا كانت بطيئةً للغاية وغير كافية على الإطلاق. ولهذا السبب، التزمت بتغيير نهج الحكومة. لقد تمت الموافقة على مستوطنات خلال السنوات الأربع الماضية لهذه الحكومة الإسرائيلية أكثر ممّا تمت الموافقة عليه خلال الأعوام العشرين السابقة".
استكمل وزير الخارجية إد ميليباند الموقف بقوله: "الحكومة الإسرائيلية تغضّ الطرف عن تطهير عرقي ينفّذه المستوطنون في الضفّة الغربية، وفرضنا حظر استيراد منتجات من المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلّة". وذكرت مصادر أن القيود ستشمل أيضاً بضائع من مستوطنات في القدس الشرقية والجولان المحتل، وهذا مهمّ جدّاً وينبغي متابعته والبناء عليه.
كندا و11 دولة غربية أصدرت بياناً أكّدت فيه معارضتها الشديدة "أيّ إجراءات تُعدّ بمثابة ضمّ للأراضي الفلسطينية وتهجير قسري للسكّان. خلافنا ليس مع شعب إسرائيل، بل مع سلوك حكومته. ونبدأ اليوم نهجاً جديداً في التعامل مع الظلم". والمنتفض الأوّل ضدّ القرار كان السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي، الذي قال: "البريطانيون سيعانون بعد اتخاذهم الخطوات ضدّ المستوطنات". وقال وزير الخارجية ماركو روبيو: "أُبلغنا بأنّ البريطانيين سيتّخذون هذه الخطوات. سمعنا حجّتهم بشأن السبب. نشترك في هدف الاستقرار، ولا نريد أن نرى ارتفاعاً في العنف والتوتّرات في الضفّة الغربية في وقت هشّ للغاية".
يعرف نتنياهو تماماً هذا الوضع الذي يصنعه، ويعتقد أنّه يخدمه استراتيجياً وانتخابياً، ويريد توريط أميركا معه، وقد تورّطت في أمور أكبر. ولاستكمال المشهد الأميركي، أعلن موقع أكسيوس: "مسؤولون أميركيون أبلغوا نظراءهم البريطانيين بأنّهم يشاركونهم القلق بشأن سياسة نتنياهو في الضفّة الغربية، على الرغم من اختلافهم معهم بشأن العقوبات المحدّدة. رئيس وزراء بريطانيا أطلع ترامب مسبقاً على العقوبات ضدّ المستوطنات. ترامب لم يعترض عليها ولم يطلب تغيير المسار". وتصريحات هاكابي التي هاجم فيها العقوبات "لم تُنسق مع البيت الأبيض".

نحن في بداية معركة كبيرة مفتوحة وتوقيت دقيق وحسّاس أمام استحقاقيَ الانتخابات الإسرائيلية والانتخابات النصفية الأميركية

من نصدّق؟ على الرغم من ذلك، القرار البريطاني - الأوروبي مهمّ، ولو كان غير كافٍ، ونحن في بداية معركة كبيرة مفتوحة وتوقيت دقيق وحسّاس أمام استحقاقيَ الانتخابات الإسرائيلية والانتخابات النصفية الأميركية بعد أسابيع. والغياب الأبرز عن كلّ ما يجري هو الدور العربي، وكأنّ تهجير الفلسطينيين واستباحة القدس وضمّ الضفّة والجولان، والعمل لضمّ مناطق أخرى في سورية ولبنان، حسب كلام نتنياهو وكاتس، أمر لا يعنيهم.
عربياً، هناك قصر نظر وتفكير، وسوء إرادة وإدارة، ويحدّثونك عن موازين القوى والمتغيّرات، وكأنّ الذين يتحركون في بريطانيا وأوروبا وفي الداخل الأميركي، يبحثون ويكتبون ويصرحون وينادون ويتحرّكون في الشوارع والجامعات والمؤسّسات، وحتّى في إسرائيل، لا يعرفون الموازين الجديدة والمخاطر. إنّهم يعرفون هذا تماماً، والمسؤولون العرب المقصّرون القاصرون المكابرون المتجبّرون هاربون من الحقيقة، والنار في ديارهم. هم في قلب زنّار النار ودائرة الاستهداف. هم في هروب إلى الأمام وادّعاءات وأوهام، وأصغر بكثير من موقعهم وأمانة إدارة شؤونها.
قال رئيس دولة الاحتلال إسحق هرتسوغ: "سمعنا اليوم عن عقوبات بريطانية ضدّ مستوطنات إسرائيلية في يهودا والسامرة. إذا حصل هذا وحذت دول أخرى حذوه، أعتقد أنّنا سنكون أمام خطأ فادح في الحساب والتقدير. هذا قرار يقع في الجانب غير الصحيح من التاريخ، وتدخّل صارخ في الانتخابات الديمقراطية لدولة ذات سيادة". الإبادة والاحتلال والتوسّع والقتل والإرهاب من سمات الدولة الديمقراطية وثوابت الجانب الصحيح من التاريخ؟ نعم، هذا تاريخ إسرائيل وحاضرها.
قال رئيس المنظّمة الصهيونية العالمية يعقوب جاغوئيل لـ"يديعوت أحرونوت": "معدّل الولادات في إسرائيل الأعلى بين الدول الغربية، مع الهجرة سيعيش معظم اليهود في إسرائيل خلال خمس سنوات. لم نشهد مثل هذا الوضع منذ ألفي عام". وهذا جوهر الخطّة الإسرائيلية لضمّ غزّة والضفّة وتهجير الفلسطينيين واستقدام اليهود من الخارج، التي نتناولها دائماً ونحذّر من مخاطرها، وينبغي أن تكون موضع رصد واهتمام أخلاقي وسياسي ودبلوماسي وإعلامي وثقافي وفكري وإنساني، لأنّها موضوع وجودي بكلّ ما للكلمة من معنى.
لا مثيل لحركات التضامن العالمية مع شعب فلسطين، غير مسبوقة. ليس قليلاً أن نسمع أغاني وأناشيد في دول أجنبية يؤدّيها مواطنوها ويستخدمون فيها شعارات عربية يردّدونها بأصواتهم ولغتنا: "فلسطين حرّة حرّة"، "غزّة حرّة"، "لا إبادة".
كتب الصحافي الإسرائيلي جدعون ليفي كلاماً دقيقاً: "المستوطنات ليست كياناً مستقلّاً. عندما فرضت أوروبا عقوبات على شبه جزيرة القرم المحتلّة، فرضت أيضاً عقوبات على روسيا، الدولة المحتلّة. المستوطنات هي إسرائيل، وإسرائيل هي المستوطنات". هذا صحيح. فمن يحاسب بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير وبنيامين نتنياهو ووزراء الاستيطان والشتات والثقافة وغيرهم والحكومة؟ العقوبات خطوة سياسية متقدّمة مبنية على اعتراف سياسي بممارسة حكومة إسرائيل التطهير العرقي. الوزراء يرافقون المستوطنين، يحمونهم، يشجّعونهم، ويمارسون أمامهم كلّ ما يفجّر حقدهم ضدّ الفلسطينيين، وذلك كلّه باسم الدولة والقانون وإنفاذه.

ثمّة مواجهة مفتوحة بين بريطانيا وإسرائيل، ويبدو أنّها مرشّحة للاستمرار أياً تكن نتائج الانتخابات الإسرائيلية

حكومة نتنياهو اتخذت قراراً بإقفال القنصلية البريطانية في القدس، وطردت موظّفين بريطانيين يعملون في الضفّة مع السلطة الفلسطينية، متهمة إيّاهم بالتجسّس وجمع تقارير عن حركة الاستيطان والمستوطنين، كما طلبت إلى البريطانيين المشاركين في "غرفة غزّة" (مركز التنسيق الدولي الخاص بغزة)، بعد إنشاء "مجلس السلام"، المغادرة فوراً.
ثمّة مواجهة مفتوحة بين بريطانيا وإسرائيل، ويبدو أنّها مرشّحة للاستمرار أياً تكن نتائج الانتخابات الإسرائيلية، وستتفاقم إذا نجح نتنياهو، الذي لن يوقفه أحد ساعتئذ عن استكمال مشروعه، آخذين بالاعتبار أنّه إلى الانتخابات سيستخدم كلّ الوسائل والأساليب لفرض أكثر من أمر واقع وتوريط أكثر من جهة في لعبته. المسألة بالنسبة إليه مسألة وجود ومصير. هذه المواجهة خرقها خبر يعطي فكرة عن العقلية الإسرائيلية: نتنياهو احتفى بالرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي زار إسرائيل وصلّى أمام "حائط المبكى" وأعلن دعمه الكامل للاحتلال. اليوم، يقاضي هذا الرئيس شركات بريطانية لأنّها تنقّب عن النفط في جزر "فوكلاند" التي شهدت حرباً بين بلاده والمملكة المتحدة أيام رئيسة الحكومة مارغريت تاتشر، التي سمّيت "المرأة الحديدية". اللافت في الخبر: شركات إسرائيلية تعمل هناك، ولا كلمة من إسرائيل وحكومتها عن "الحدث". مصلحة إسرائيل فوق كلّ مصلحة.
هل يتعلّم "جماعتنا" العرب؟ ماذا ينتظرون بعد من شواهد؟ وهل أبلغ من شواهد الدم وشهاداته والقتل والظلم والسجن والتعذيب والتنكيل والعدوان على الكرامات والمقدَّسات والتهجير والتطهير العرقي والإبادة الجماعية، التي بات العالم يتحرّك ضدّها؟

 

أخبار مماثلة
آخر الأخبار